آداب الطريقة التجانية

في آداب المريد مع نفسه وشيخه وإخوانه، وصفة المقدم وما يلزمه
اعلم أن التمسك بالآداب هو الذي يوصل المريد إلى ما يبتغيه، فلا يصل مريد حضرة الرب جل شأنه وهو عارٍ عن الآداب، فلذلك عقدت هذا الباب لذكر بعض الآداب المطلوبة من المريد، لأن الآداب من أهم المهمات وآكدها في الطريق، ولذا كان شيخنا رضي الله عنه وعنا به يقول: "إني لكثيراً ما أهم بوضع مؤلف في آداب الطريق" تنبيهاً منه رضي الله عنه على أن الآداب هي روح الطريق وأساسه،

فأقول: الأدب عبارة عن التحلي بكل فضيلة، والتخلي عن كل رذيلة، وكل أدب في الدنيا يرجع إلى ذلك المعنى.
والأدب في حق المريد ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
أدبه مع نفسه، ويعبر عنه بأدبه مع الله تعالى، وأدبه مع شيخه، وأدبه مع إخوانه.

أما أدبه مع نفسه
فهو التمسك بالدين الحنيف بحيث يقف عند أوامره ويجتنب نواهيه متأدباً بآداب السنة المطهرة مع التتبع لمكارم الأخلاق والتباعد عن سفاسفها، وينشأ عن الأدب رضاء الله والناس عليه ودخوله الجنة مع السابقين.

وأما أدبه مع شيخه
فهي وإن كانت راجعة لما تقدم سأذكرها تفصيلاً تنويهاً بشأنها إذ بالسير عليها يسكب المريد رضاء شيخه، فيخصه شيخه بأسراره ويفيض عليه من أنواره فأقول: منها تعظيمه وتوقيره ظاهراً وباطناً، ومنها عدم الاعتراض عليه، ومنها تقديمه على غيره، ومنها أن لا يقعد وهو واقف، ومنها أن لا ينام بحضرته إلا بإذنه، ومنها أن لا يكثر الكلام بحضرته إلا بإذنه، ومنها أن لا يكثر الكلام بحضرته ولو باسطه، ومنها أن لا يجلس على سجادته ولا في المكان المعد له، ومنها أن لا يسبح بسبحته، ومنها أن لا يلح عليه في أمر، ومنها أن لا يسافر ولا يتزوج ولا يفعل فعلاً من الأمور المهمة إلا بإذنه، ومنها أن لا يسلم عليه بيده وهي مشغولة بشيء كقلم وغيره، ومنها أن لا يمشي أمامه، ولا يساويه إلا في ظلام، فيتقدم عليه ليحفظه من الطوارق، ومنها أن لا يذكره بخير عند أعدائه خوفاً من أن يجر ذلك إلى ذمهم له، ومنها أن يحفظه في غيبته كحضوره،
ومنها أن يلاحظه بقلبه في كل أحواله لتعمه بركته، ومنها أن لا يعاشر من يكرهه، ومنها أن يرى أن كل بركة حصلته له بسببه، ومنها أن يصبر على جفوته وإعراضه عنه، ولا يقول لم فعل بفلان كذا ولم يفعل بي، ومنها أن يطيعه في كل أمر أمره به، ومنها أن لا يتجسس عن أحواله من عبادة أو عادة، ومنها أن لا يدخل عليه الخلوة إلا بإذنه، ومنها أن لا يزوره إلا وهو متطهر، ومنها أن يحسن به الظن في كل حال، ومنها أن لا يكلفه شيئاً، ومنها أن لا يتزوج إمرأة طلقها أو مات عنها.
وبالجملة يجب عليه أن يفعل كل ما يرضي الشيخ، ويتجنب كل ما فيه شائبة كراهية له، وهذه الآداب واجبة على المريد لشيخ الطريقة الأكبر، ولخليفته لأنه نائبه، وهي واجبة أيضاً على المقدم للخليفة لأنه من جملة رعيته، والفرق بين الخليفة والمقدم أن الخليفة هو الموصل للمريد ما كان الشيخ يوصله إليهم من المعارف والأسرار وجميع الأذكار، ويدخلهم الخلوة، وأما المقدم فهو الذي يلقن الأوراد اللازمة مع بعض الأوراد غير اللازمة وهو من رعية الخليفة كما مر، ويجب على المريدين طاعة كل مقدم للشيخ وتعظيمه وتوقيره، ويحرم عليه مخالفته إذا أمرهم بمعروف أو نهاهم عن منكر خصوصاً إن كان هو الذي أعطاهم الورد،
قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ" وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله تعالى، ومن يطع أميري فقد أطاعني، ومن يعص أميري فقد عصاني".
ولا شك أن كل واحد من الشيوخ الدعاة إلى الله تعالى من أمرائه صلى الله عليه وسلم، ومن قدموه من تلاميذهم من أمرائهم، ومن كان من أمرائهم فهو إذن من أمرائه صلى الله عليه وسلم.
قال في الخلاصة المرضية عن ذكر آداب المريد: يخدم كل من قدمه عليه شيخه وإن كان أقل علماً منه.
وقال شيخنا رضي الله عنه معلماً أهل طريقه: "وعليكم بطاعة المقدم في الورد مهما أمركم بمعروف، أو نهاكم عن منكر، أو سعى في إصلاح ذات بينكم" اهـ،


وأما الآداب المطلوبة من المريد في حق إخوانه
فهي كثيرة، منها المصافحة عند الملاقاة وعند الإفتراق من الجمع، كجمع الوظيفة مثلاً ببشر وترحيب، ويبدؤهم عند المصافحة بقوله لهم: السالم عليكم، ومنها عدم التدابر والتقاطع، ومنها أن يحب كبيرهم وصغيرهم ومنها أن لا يخص نفسه بشيء دونهم إلا ما خصه عليه الله،
ومنها أن يحب لهم ما يحبه لنفسه، ومنها أن يعودهم إذا مرضوا ويسأل عنهم إذا غابوا، ومنها أن يراهم خيراً منه ويطلب منهم الرضا، ومنها أن لا يزاحمهم على أمر دنيوي، ومنها أن يوقر كبيرهم ويحترمه ويرحم صغيرهم، ومنها أن يعضدهم على ذكر الله تعالى ويتعاون معهم على حبه ويرغبهم فيما يرضيه، ومنها أن يكف عن عيبهم ويسامحهم فيما وقع منهم، ومنها أن يحب من يحبهم ويعادي من يعاديهم، ومنها أن يرشدهم إلى الصواب إن كان كبيراً ويتعلم منهم إن كان صغيراً، ومنها أن لا يوسع على نفسه وهم في ضيق، ومنها أن يخدمهم ولو بتقديم النعال لهم، ومنها أن يكون بشوشاً لهم في مخاطبته ومحاورته، ومنها أن يوافقهم ولا يخالفهم، ومنها أن لا يكلفهم ما يشق عليهم ولا يحوجهم إلى الإعتذار، ومنها عدم التكليف لهم إلا إن علم أنهم يتأثرون من ذلك فيتكلف بقدر استطاعته استحباباً لرضائهم ولا يعد ذلك من التكلف المذموم عند أهل الطريق، ومنها تقديم من اشتهر بالفضل فيهم والتوسعة له في المجلس وإيثاره بالموضع، ومنها أن لا يتساهل في القيام بحقوقهم اتكالاً على ما بينه وبينهم من المودة.
وبالجملة يجب عليه أن يراعي حقوق إخوانه ولا يضيع حقاً من حقوقهم،
فقد قال شيخنا رضي الله عنه: "من ابتلي بتضييع حقوق الإخوان ابتلاه الله بتضييع الحقوق الإلهية". أعاذنا الله من ذلك بمنه وكرمه آمين، وذلك لأن درجة الصحبة والأخوة درجة سامية منيفة، ويكفي في فضلها امتنان الله بها على عباده، قال تعالى: "وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِۦٓ إِخْوَٰنًا" وقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا كان يوم القيامة تقاطعت الأرحام وقلت الأسباب وذهبت الأخوة في الله تعالى" وذلك قوله سبحاه وتعالى: "الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ" الآية: ذكره في الدر المنثور.
وقال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه حاضاً عليها: (عليك بإخوان الصدق تعش في أكنافهم، فإنهم زينة الرخاء وعدة في البلاء)اهـ.
وقال الشيخ زروق: قال العلماء القرابة قرابتان: قرابة دينية، وهي أولى من القرابة الطينية اهـ.
قيل لبعضهم أيهما أحب إليك: أخوك أو صديقك؟ فقال إنما أحب أخي إذا كان صديقي اهـ. والأحاديث والآثار الدالة على شرف الصحبة وعلو منزلتها كثيرة، وفقنا الله لما فيه رضاه بجاه سيد أنبيائه آمين.

وأما صفة المقدم لإعطاء الورد
فهي حصول الإذن له صراحة من الشيخ ولو بوسائط معتبرة بإعطاء أذكار الطريقة ملازمة، تشترط فيه الأهلية لذلك، وأقلها أن يكون عالماً بأحكام الطهارة استبراءً ووضوءً، أو غسلاً وتيمماً، وكذا ما لا تصح الصلاة إلا به، وما يتعلق بالورد من أركان وشروط إلى آخر ما سيذكر في الباب الخامس من هذا الكتاب المبارك إن شاء الله.
ثم بعد هذا معرفة ما يراد من الدخول في طرق المشايخ، وفي أي شيء ولأي شيء يصحبون وأن النفع من صحبتهم مقصور على شهود أمرين: الأول أن يعلم أن الشيخ المراد صحبته والدخول في طريقته وليّ لله تعالى فيصحبه، ويدخل في طريقته لتجذبه موالاته لموالاة الله تعالى.
والأمر الثاني أن يعلم أنه من عبيد الحضرة الإلهية، وأنه عارف من طريق التعريف الإلهي مكاشفة ومنازلة بما للحضرة من الأدب فيصحبه ليدله على ذلك، ومن صحب المشايخ ودخل في طريقهم بغير هذين الأمرين فقد خسر الدنيا والآخرة، قال سيدنا رضي الله عنه: "فهذا أقل ما يُراعى فيمن يريد التقديم من العلم والمعرفة لما هو بصدده، ومن نقص عن هذا القدر في العلم لا يصلح للتقديم لأنه لم يعرف المقصود من لاأمر الذي يريد أن يُدخل غيره إليه".
ويلزمه أن يتثبت في إعطاء الورد، بمعنى أنه لا يعطيه إلا لمن يعهد فيه القيام به حق القيام، أن يعرض عليه الشروط، ويتيقن أنه قبلها عن طيب نفس مسلماً لها، فعند ذلك يلقنه مستحضراً همة الشيخ مستمداً منه، ولا يأخذ بظاهر ما في كتاب (جواهر المعاني) من أن هذا الورد يعطى لكل من طلبه من المسلمين على أي حالة كان الخ، كيف وهو يرى فيه بعد ذلك أن من أخذه وتركه أو تهاون به تحل به العقوبة ويأتيه الهلاك، فيكون حينئذ سبباً فيهما.
ويلزمه أيضاً أن لا يجدد الورد لمن انسلخ عن الطريقة وأن يمتنع عنه كل الإمتناع حتى يتردد عليه مراراً ليأنس منه عدم الرجوع إلى ما صدر منه وحينئذ يجدد له الطريق، وكل هذا ورد عن الشيخ رضي الله عنه في قضايا معلومة بين أصحابه رضي الله عنهم.
ويلزمه زيادة على ما مر أن يكون ذا ديانة، وعقد، وحلم، وأمانة، ورفع همة عن الخلق ثقة بالملك الحق، متحلياً بمكارم الأخلاق وحسن المعاشرة بقدر الإستطاعة غير راء لنفسه منزلة عليهم، غاضاً طرفه عن عيوب الإخوان، وإذا رأى من أحدهم ما هو مخالف للشريعة أو الحقيقة فلا يصرح به لأحد من الإخوان بل يعرض به ويقول: إني أرى بعض الناس يفعل كذا وكذا وحقه أن يفعل كذا وكذا،
فإن فهم ورجع عن فعله فيها، وإلا يذكره بينه وبينه، فقد قالوا: من عرفك بعيوب نفسك بينك وبينه فهو الناصح، ومن عرفك بها أما الناس فهو الفاضح، ثم إن رجع عن فعله فيها، وإلا يتركه وشأنه، وليعلم المقدم أنه قدوة حسنة لجميع من في بلدته من الإخوان، فيلزمه أن يصلح ظاهره وباطنه بحيث يستويان عنده، فبصلاحه تصلح جميع أهل بلدته والعكس بالعكس، وإن لم يفعل ذلك فيكون هو المسؤول عن تقصيرهم وميزان ذلك هو رفع الهمة عن التشوف لما في أيدي إخوانه من العرض الفاني وعن تكليفهم بما فيه حظ له كيفما كان، وإنما كان هذا الاخير ميزاناً لما عداه من أركان الأهلية ليزن به الموفق حال نفسه، فكلما وجد فيه رائحة من الطمع فيما يأتيه من قبل إخوانه الذين يلقنهم عرف أنه ليس أهلاً لذلك ولا مراداً، فيكون اشتغاله بإصلاح نفسه أولى له، فلا يقبل التقدم على أحد وأحرى أن يتعرض بطلب أو استجلاب شيء، فإن فعل خسر الميزان والعياذ بالله من الخسران، وقد جمع سيدنا رضي الله عنه في بعض وصايا معظم هذه الأركان، فقال: "وأوصي من كان مُقدماً لإعطاء الورد أني عفو للإخوان عن الزلل، وأن يبسط رداء عفوه على كل خلل، وأن يتجنب ما يوجب في قلوبهم ضغينة أو شيئاً أو حقداً،
وأن يسعى في إصلاح ذات بينهم وفي إزالة كل ما يوجب بغضاً في قلوبهم بعضهم لبعض، وإن اشتعلت نار بينهم سارع في إطفائها، وليكن سعيه في ذلك طلباً لمرضاة الله تعالى لا لحظ زائد على ذلك وأن ينهى من يراه يسعى بالنميمة بينهم، وأن يزجره برفق وكلام ليّن وعليه أن يعاملهم بالرفق والتيسير والبعد عن التنفير والتعسير في كل ما يأمرهم به أو ينهاهم عنه من حقوق الله وحقوق الإخوان، ويراعي في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "يسّروا ولا تعسّروا وبشّروا ولا تنفّروا" وعليه أن يتباعد عن تغريم دنياهم وأن لا يلتفت إلى ما في أيديهم معتقداً أن الله تعالى هو المعطي والمانع والخافض والرافع، وليجعل همته في تحرير دنياهم من التشتت والتبذير، وأن لا يطالبهم بإعطاء شيء لا من القليل ولا من الكثير إلا ما سمحت به نفوسهم من غير طلب، فإن عقول الناس حول هذا المطاف تدور وعلى هذا المقدار تجري بهم جميع الأمور" اهـ.
وهذه الوصية من سيدنا رضي الله عنه كافية في الإشارة إلى الأهلية المشروطة كما أنها كفيلة بمعطم ما يطلب من المقدم التمسك به، والله يهدينا إلى سواء السبيل، والله أعلم.
┉•••❈❖❖❖❈•••┉

للمزيد أنظر كتاب بغية المستفيد

من أين يأتي الزوار

Free counters!